أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

33

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والكثرة لتضعيفه ، وذلك أن فعالا وفعالا بفتح الفاء ، أو كسرها ، يجمع في القلة على : أفعلة كأحمرة ، وأقذلة « 1 » ، وفي الكثرة على فعل ك « حمر » وقذل ، إلّا أن يكون مضاعفا ، ك : بتات « 2 » ، وكنان ، أو معتل اللام ك : خباء « 3 » وقباء « 4 » فيلتزم جمعه على أفعلة ، ولا يجوز على « فعل » ، إلّا في قليل من الكلام ، كقولهم : عنن ، وحجج في جمع : عنان « 5 » وحجاج « 6 » قوله : « أَنْ يَفْقَهُوهُ » في محل نصب على المفعول من أجله ، وفيه تأويلان سبقا . أحدهما : كراهة أن يفقهوه ، وهو رأي البصريين . والثاني : حذف « لا » ، أي : إلّا يفقهوه ، وهو رأي الكوفيين . قوله : « وقرأ » عطف على « أَكِنَّةً » ، فينتصب انتصابه ، أي : وجعلنا في آذانهم وقرا . « وَفِي آذانِهِمْ » كقوله : « عَلى قُلُوبِهِمْ » . وقد تقدم أن « جعل » يحتمل معاني ثلاثة ، فيكون هذا الجار مبنيا عليها من كونه مفعولا ثانيا قدم ، أو متعلقا بها نفسها ، أو حالا . والجمهور على فتح الواو من « وَقْراً » . وقرأ طلحة بن مصرّف بكسرها . والفرق بين الوقر والوقر : أن المفتوح هو : الثّقل في الأذن ، يقال منه : وقرت أذنه ، بفتح القاف وكسرها ، والمضارع تقر ، وتوقر ، بحسب الفعلين ك : تعد وتوجل . وحكى أبو زيد : أذن موقورة . وهو جار على القياس ، ويكون فيه دليل على أن وقر الثلاثي يكون متعديا ، وسمع : أذن موقرة ، والفعل على هذا : أوقرت رباعيا ك : أكرم . والوقر - بالكسر - الحمل للحمار والبغل ونحوهما ، كالوسق « 7 » للبعير ، قال تعالى : فَالْحامِلاتِ وِقْراً « 8 » ، فعلى هذا : قراءة الجمهور واضحة ، أي : وجعلنا في آذانهم ثقلا ، أي : صمما . وأما قراءة طلحة فكأنه جعل آذانهم وقرت من الصمم ، كما توقر الدابة بالحمل . والحاصل أن المادة تدل على الثّقل والرّزانة ، ومنه الوقار للتؤدة والسكينة . وقوله تعالى : وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً فيه الفصل بين حرف العطف ، وما عطفه : بالجار ، مع كون العاطف على حرف واحد ، وهي مسألة خلاف ، تقدم تحقيقها في قوله : أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها « 9 » . والظاهر أن هذه الآية ونظائرها مثل قوله : آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً « 10 » ، ليس مما فصل فيه بين العاطف ومعطوفه ، وقد حققت جميع ذلك في الموضع المشار إليه . قوله : حَتَّى إِذا جاؤُكَ قد تقدم الكلام في حتّى الداخلة على إذا في أول النساء « 11 » . وقال أبو البقاء - هنا - : « إِذا » في موضع نصب بجوابها ، وهو « يَقُولُ » ، وليس ل « حَتَّى » هنا عمل ، وإنما أفادت معنى الغاية ، كما

--> ( 1 ) أقذلة : جمع قذال وهن جماع مؤخر الرأس من الإنسان والفرس فوق فأس القفا . قال ابن الأعرابي : والقذال ما دون القمحدوة إلى قصاص الشعر . اللسان : قذل 3561 . ( 2 ) البتات : متاع البيت ، وهو أيضا : الزاد والجهاز اللسان : بنّت 205 . ( 3 ) قال ابن منظور : الخباء من الأبنية ، واحد الأخبية ، وهو ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر ، وهو على عمودين أو ثلاثة ، فما كان فوق ذلك فهو بيت ، وقال ابن الأعرابي : الخباء من شعر أو صوف وهو دون المظلة . اللسان : خبا 1098 . ( 4 ) القباء : من الثياب الذي يلبس ، مشتق من ذلك لاجتماع أطرافه اللسان قبا 3523 . ( 5 ) العنان - بالكسر : اللجام ، وبالفتح السحاب أي هو كهما وزنا ومعنى وراجع : اللسان : عنن . ( 6 ) الحجاج - بفتح الحاء وكسرها - : العظم النابت عليه الحاجب ، والحجاج : العظم المستدير حول العين اللسان : حجج 780 . ( 7 ) الوسق : بفتح الواو وكسرها - : مكيلة معلومة ، وقيل : هو حمل بعير ، وهو ستون صاعا بصاع النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو خمسة أرطال وثلث ، فالوسق على هذا الحساب مائة وستون قنا . اللسان . وسق 4836 . ( 8 ) سورة الذاريات ، آية ( 2 ) . ( 9 ) سورة النساء ، آية ( 58 ) . ( 10 ) سورة البقرة ، آية ( 201 ) . ( 11 ) انظر آية رقم ( 6 ) .